Thursday, June 7





سألتها: أتذكرين يوم كنا نطارد الأخبار
أجابت: أذكر..! وكنا أيضا نكتب الخطابات للمغفلين ليظهروا كالنجوم أمام الإعلام

سألت: أتذكرين يوم كانت هواتفنا لا تهدأ
أجابت: أذكر..! نتوسط لفلان وفلان

سألت: أتذكرين يوم كانت أبواب الصحافة مذللة
أجابت: أذكر..! وسجاد قاعات الفنادق حمراء.. وتلك الأضواء.. وقائمة الضيوف والأعلام نرسمها كيفما نشاء

سألت: أتذكرين تملق كبيرهم عند الباب
أجابت: أذكر..! كأنا ملوك أقفال العلاقات والخدمات 

قلت محدثة زميلة عمل التقيتُها بعد ثلاث سنيـن غياب: وأنتِ أخبريني كيف صرتِ اليوم؟
أجابت: لم يعد "كل يوم هو في شأن" ينطبق على الحال كما السابق؛ صارت الأيام نسخ مكررة طبق الأصل، والغريب..! أتعرفين ما الغريب؟

ما الغريب؟"، سألت
قالت: الغريب.. إني لا أشعر بالذنب

علقت: وكأنا حققنا درجة الطفح، في بحث عن منزلة غيرها
ربما"، قالت، "وأنتِ"، سألت: "كيف حالك اليوم؟

قلت: ألِفتُ سكون الأرض .. مع علمي بدورانها إلا أني أختار الصمت
قاطعتني: حدث أليم لا أعرف عنه؟
أجبت: لا.. بل دائرة ذهنية رسمتها بريشتي لا يدخلها إلا من شاء هو

قالت: عزلة بعضها فوق بعض.. لكنك أبقيت الباب مفتوحا بعض الشيء
تماما"، قلت مضيفة: "ثم عرفت أن رفقة الكهول تختزل كل شيء

إذن فلمَ إعتزلتني ؟
ضحكت مجيبة: بل أنتِ الشباب والحياة

قالت: إذن إعتزلت الشباب؟
أجبت: دون قصد

قالت: وكأنهم اكتشفوا حديثا ما تم اكتشافه من قبل..؟
أجبتها: تقريبا.. كما أشرتِ




Monday, June 4



انقطاع الثمان شهور.. لا خبر يدفع الشك ولا أثر.. صار اسمه معلق ما بين قائمتي الأحياء والأموات، تحت تهديد خبر يسربه مجتمع صغير، وسؤال دائم هل يستجيب للعلاج فيُكتب له عمر مديد؟ أم يضعف أمام مواد تفتك بجسده الضعيف؟ السرطان من ينجو منه إلا ذو حظ عظيم؛ إلا من بكى الليل يرجو شفاء، لا تنجو إلا روح عنيدة تطلب الخلاص، وهكذا كانت روحه عالية.. ربما لهذا أحببت شخصه
 
 صوته عليل كالمستغيث كلما أُتيحت له الفرصة هاتفني من بلاد تفصلني عنه بحار عميقة، "أهذا أنت؟"، أسأله فيجيب: "إعذريني أنه الألم وقسوة العلاج والسهر"، "لا بأس عليك.. كيف أنت إشتقت لك"، "شكرا"، أجاب بإختصار مرددا: "حمدا لله نبذل الأسباب؛ قد سخر لنا الرب هؤلاء الأطباء والأمر إليه أولا وأخيرا أليس كذلك؟"، لم أكن أسمع كلمات فقط بل أنفاس متعبه، لم تتزعزع صورته الأخيرة في ذهني؛ حماسه وروحه المتفائلة رغم الضعف والعجز، أنا أيضا أرجو الشفاء ربما لأجل ذلك إلتقينا!م

كانت اتصالاته في البداية شبه يوميه حتى تضائلت من أسبوعية إلى شهرية ثم فجأة انقطعت تهددني فكرة الفقد، قال: "إشتريت لك هدية اليوم"، تدافعت الكلمات تسبق الواحدة أختها وككل مرة يخونني التعبير فلا أحسن صياغة الجمل ليفتضح أمري في النهاية، أجبته: "حقا هدية منك يا لسعادتي"، وأنا الخبيرة بألوان نبرات صوته الذي ألفته كان مبتسما حينما قال: "مجموعة نادرة من الكتب"، قاطعني حينما شكرته مجددا للمرة المليون مضيفا: "حملتها إليك من مكتبة قصدتها بعيدة وعبر وسائل المواصلات أضمها بين يدي أحميها من مطر مدينة لندن الحزينة وكلي رجاء أن تجدي فيها شفاء لأسئلتك الكثيرة"، غبت بعيدا أتصوره؛ جسده النحيل حاملا كتبا ثقيلة محفوظة بكيس أخضر - كما وصلتني لاحقا - قطع تصوري إعتذاره فتسائلت في نفسي لمَ يعتذر؟ قال: "أنتظر من يرسلها إليك وقد يطول أو يقصر الأمد"، قلت: "أرجوك لا تعتذر.. إعتبرها وصلت.. ممتنة أنا لك.. لمَ كل هذا التعب؛ أني أشق عليك"، وأخذ يحدثني في الأدب الإنجليزي وعن أشهر الكتب حتى ضعت في جمال حديثه وموسوعية معرفته، "لا تتوقفي.. يجب ألا يتوقف القلم عن الكتابة أتسمعين"، وبهذه الجملة ختم المكالمة وغاب كم شهر



مسودة رواية
 

Sunday, June 3



 
خطوات ثلاث عبر درج مشقق نحو منزل صغير ذو قلبٍ واسع
إن لوطء الأقدام على سطح خشبي لحِسٌ خاص 
وشذا أعمدة الخشب المعتق تستفز حاسة الشم
أساس متين صمد سنين 
لوح معدني من النحاس يؤكد سنة البناء1878

براويز فضية تشبثت عرض وطول الحائط 
صورا لأناس تعلقت أرواحهم بالمكان
وجوه سعيدة وأخرى تعرف أن نهاياتها لم تكن متوقعة
 جميعها بالأبيض والأسود جاءت فردية
لا وجود لصور جماعية 
بحثت كثيرا في استغراب ثم بحثت مجددا
ألم يسكن هذا المنزل أسرة من ثلاثة أفراد - أقلة؟

وجوه حينما تطيل النظر فيها تعرف أنها ما زالت حية تسكن المكان الذي أحبت
المكان الذي خلقت فيه ذكرى وتركت أثر

عرفت حينها أني لم أكن وحيده فكل هؤلاء معي أو على الأقل معظمهم
ابتسمت أُلقي التحية
 أخذت أحدق في الوجوه طويلا أختلق القصص 
حتى قطع سيل أفكاري صوت أرعبني 
وانطفأ بعدها مدد البصر

مطر..! رائحة الخشب الرطب تبعثر الأوراق وتوقض القلم
لو استطعت لإحتفظت بها لأطول وقت ممكن 
أو لا حاجة لنا بذلك فالسحب هنا كريمة بمرورها فوق هذا البلد

هذا البلد البعيد عن كل نقط أعرفها
البقعة التي كانت يوما صورة ذهنية 
صارت وطن

وقفت عند الباب الخلفي المؤدي إلى المحيط الأطلسي 
 لا أحد.. لا بشر هناك
سوى آثار أقدام سلاحف مستنجدة، قطعت مسافات طويلة نحو البحر

ياااه رائحة ثمار البحر قوية هنا
أهو سمك التونا أم الطحالب الخضراء الفاقع لونها تلك المستلقية أطراف الساحل؟
أنعشت تلك الرائحة الذاكرة
 أخذتني إلى صفحة من مذكرات قديمة

دعوة عشاء في منزلنا 
صوت الملاعق كالموسيقى 
كؤوس زجاجية أنيقة 
أواني فضية 
ومناديل مزركشة مطوية 

كان ضيف الشرف تلك الليلة
استقبلته أسرتي بعد انقطاع طال ثمانية أشهر في غربة طلبا للشفاء
على مائدة الطعام جلسنا أنا وهو مقابلي
وبعض الضيوف المدعوين
احتفالا بعودة حميدة 
ولأني أعرف أنه يعشق ثمار البحر 
كان الطبق الرئيسي تلك الليلة القريدس

عبر كأس زجاجي شفاف أختلس نحوه النظر
أراقب عن كثب أسلوبه في الأكل
كيف كان شكل الملعقة بيده؟
 لا يشرب أثناء الوجبة شيئا
 يحب الشطة والخل


 
 


سارحة الذهن كالعادة
البصر لا يمل النظر لتراقص ألسنة اللهب
تلك المدفئة المشتعلة صيفا وشتاءً
لف الجسد بوشاح يطلب الدفء 

هناك خلف النافذة ينقر الطائر مناديا
ألا يرى أنه ما من أحد يسكن المكان
رحلوا بالتفكير بعيدا
لكنه مع هذا استمر 

إستجابت أخيرا: هذا أنت من جديد
 أنت أيضا لم يزرك النوم ؟

الليل طويل وصديقي ضاعت صورته بين ألسنة اللهب
وأنت.. ما أهمك؟ عاشق كحال بعض البشر 
أم تائه تسيح في الأرض بحثا كحالي
أم أنه موسم الهجرة

يااااه بيننا أيضا دوائر مشتركة أنا وأنت
 أيها الطائر

لماذا تقف هناك خلف الزجاج وحدك
تعال.. إقترب 
الليل في أوله
الليل في هذا الشق من الكرة الأرضية طويل .. طويل جدا يا صاحبي

نقرُ الزجاج أخذني إلى صفحة من مذكرات قديمة
هو هو ذات النقر باستخدام مفاتيح المكتبة 
متتالية.. عبر زجاج النافذة
علّ عدنان يستيقظ من نومه فيفتح لي الباب
الطقس قارس في الشتاء 
ويدي تطلب أكثر من دفء كوب قهوة بالحليب

أرجوك افتح الباب صحت مرددةً
 لا مجيب
هل يعلم صاحب المكتبة أنه اتخذها مسكناً في المساء
أُذكر نفسي: ليس من شأني 
ثم أني أحب أن أشاطر فطوري الصباحي 
أنصف وجبتي المعدة مسبقا لإثنين

آه فُتح الباب أخيرا 
شعره منكوش فزِع
خيرا رأيت يا هذا.. خيرا رأيت

صباح الخير


 

 


 
ضاعت الفكرة! أين ولت؟
 وأنا هكذا دائما مشتتة الفكر والبال كثيرة النسيان..
أو أني أتعمد حتى صار طبع

  خيط رفيع ما بين الاستيقاظ التام من النوم والموت نفسه
 لحظة أو أقل من لحظة حينما لا يفكر العقل بشيء
ولا يتعرف على ما حوله، حتى نفسه لا يعرفها
ما كان بالأمس وما في جدول اليوم من خطط

كم أحبها هذه اللحظة أنتظرها كل صباح بشغف
حتى إذا إستعادت النفس أجزاءها ذكرتها
 وأنا الهارب طوعا
ذكرتها بمن تكون
 الهوية والمحيط الذي يريد مني وأريد منه

ولن يجدي التقلب في الفراش عدد ساعات الليل
لو أنه يدلني إلى دائرة لا تموت بداخلها الأحلام ولا تتحقق
وهذه الوسائد المحاطة بي لو أنها تدس بين أضلعي سر الحياة
هل عرفت مسبقا أني لا أكتم الأسرار؟
من أفشى بذلك؟
وأني محطة إذاعية تخدم بلد صغير
من أفشى بذلك أيضا؟

 لا مفر.. 
 هذا كتاب الحياة لا يزال مفتوحا على مصراعية 
وتلك ريشة تخط دون كلل صحائف بعضها فوق بعض 
كل هذا..؟ 
من أين وإلى أين الوجهه؟
 أعرف ولست متأكدة في نفس الوقت