Friday, May 18



كم ستطول فترة علاجك.. غيابك هذه المرة؟-
عشرون يوماً.. إلا إذا -
لا بأس عليك-
دعاءك-
 
حوار من وراء ستار، يعيد ترتيب هندامه استعدادا للقاء صديق وأنا إلى جانب الطاولة أحدق في فناجين القهوة والإبريق الفخاري المزركش بألوان الزهر، القهوة التي يحب تلك التي يعدها لنا بنفسه، "لا بأس ستمضي الأيام ويعود بالتأكيد"، أحدث نفسي، فهذه كأختها، لكنه ذكر: "إلا إذا.."، ما يقصد بها؟ لم تعجبني أبدا، ثم وقبل أن يغادر إلتفت نحوي وهو عند الباب فقال: "نراكِ"، ومضى، انتهت أحد فصول كتاباتي برحيله -المؤقت- وحتى يعود فنستكمل. يا أنت بأي حال أقبلت عليّ وأدبرت؟ لم أنسى فقد سجلت حديثنا الأخير وأرسلته لنفسي بريديا كما أفعل في كل مرة، لدي لحظة أخيرة معه، وحديث نفس
 
لمَ تقولين أخيرة.. ألا تريدين عودته؟-
بلى-
لكنك تكررين.. أخيرة
جننت على ما يبدو إلا قليلا، هو السبب-
 
غيابه مجموعة لحظات ثقيلة الوزن، غادر المكان بعد الوصايا وضللت أنا الطريق والغريب أن مع شعوري بالتيه لم يتأفف القلب، يبدو أنه إعتاد فكرة الفقد! في المكان نفسه لم أبرحه، إلى جانب طاولتنا الخشبية أرتشف ما تبقى من قهوة، الفنجان تلو الآخر، جنون.. جنون عليّ أن أتوقف لم أعتد شرابها في مثل هذه الساعة، تتسارع نبضات القلب ويزداد الذعر ولا يهدأ القلم، صاح فأصم أذناي: توقفي..!"، لم أستطع لا أملكه.. لا يملكني.. ذلك القلم، من إذن يملك الحكم؟ 
 
رميته غاضبةً قائلة: أرهقتني يا قلم
فسأل: أنا؟
أجبت: أعتذر.. أعتذر.. تعلم، كنت هنا معنا وشهدت ما شهدت
 
أسندت ظهري في محاولة فاشلة لأن أرخ العضل، ما زلت في حالة توتر! "هل أأخذ الفناجين إلى الحوض فأغسلها؟ أم أتركها ها هنا فأشعر أنه معي حي يرزق.."، قلت محدثة نفسي، وكرسيه لن يحركه أحدا من مكانه، تماما كما تركه، ذات الميله، أعدت سماع حديثنا الأخير -اه أقصد القبل الأخير- حديثنا الذي دار قبل صفحة أخرى من غيابه، وجرت العادة تسجيل محادثاتنا؛ بين الأستاذ وتلميذه، والتي تدور حول الكتابة والسينما.. الحياة والأدب، وكان الحديث حول ضيف المملكة وأسلوب إعداده للقهوة العربية، غير مهم؛ لم أكن مهتمه، ومع هذا كان مهم، حملت الفناجين فسكبت بقايا ما بفنجاني ليختلط بما في فنجانه، وحملت ما بيدي الفنجانان فوق بعضهما وبيدي الأخرى الإبريق الأنيق إلى المطبخ، عند الحوض أكوابا أخرى تسبح في الماء تُركت في الحوض من ليلة أمس ولا يبدو عليها الضجر بل العكس أشعر أنها سعيدة في انتظارها هذا، غريب..! لا يهم سأكتفي بوضعها بجانب أخواتها، عزمت على إغلاق النور فوجدت باب الحمام الملاصق للمطبخ مفتوحا أردت إغلاقه فلاحظت كتابا ملقى أرضا يحمل عنوانا في الفلسفة لن أذكر اسم الكتاب ولن أذكر كاتبه طبعا، ضحكت ثم ضحكت عاليا هذه المره تذكرت قوله: "أنسب مكان لقراءة كتب الفلسفة في الحمام"، تركت الكتاب في المكان المناسب له، أغلقت الأنوار وأحكمت إغلاق الباب كذلك، عدت إلى دفتري وقلمي.
 
أمازلت غاضبا؟ نعم أخاطبك أنت أيها القلم، لمَ لا تجيب؟ يااااه ألهذا الحد أنت مستاء؟ أرجوك لا تفعل، إلا أنت يا نصفي ودمي وما تبق مني وما أرجوه إلا أنت، أنت الصبور المستمع من لم يقطع سيل أفكاري المجنونة قط، أغاضب أنت من تهوري.. وحماقاتي..؟ عرفتك حليم راجح العقل
 
أسود..! تبدل لون الحبر إلى الأسود، حزين أنت بهذا القدر؟ وأنا كذلك حزينة على نفسي.. عليك.. على صديقي الذي رحل، آه يا قلم، ناد الحزن ولينظر في أمرنا وما فعل؟ ولن أسمع منه.. لن أصدقه.. هو دائما يقول: أن الحزن إختياري، فليذهب إلى سابع جحيم، الحزن حالة.. هالة تظل النفس والروح فتتركها ولا تتركها، لا لن أحاوره.. لن أخاطبه، إن شئت كنت أنت الوسيط بيننا، قل له ما نقول فيه وكيف نراه، قل له أن له لون بشع وأن رائحته لا تطاق وأن ملمسه خشن وأن أثره على الزائر وزر، ثم لا تسمع منه، إياك يا قلم أن تسمع من الحزن فإني أعرفه، اختبرت الحديث تكرارا معه، إنه قوي المنطق والحجة ولطيفة مداخله وإعلم أن تناقضات البشرية كلها في باطنه وظاهره، إني أحذرك
الساعة تشير إلى الثامنة مساءً انتهى وقت الزيارة، قمت من الكرسي مثقلة أحكمت إغلاق باب المكتبة، أطفأت بعض الأنوار وعدت مرة أخرى إلى حالة الكتابة، كنت قد كتبت عشرة صفحات في المذكرة بخط اليد، فكرة راودتني منذ البداية؛ أن أعتزل جهاز الكمبيوتر في مشروع الكتابة، أن أتحرر من أسرها وعناء الحمل، استبدلتها بمذكرة ذات صفحات صفراء مريحة للعين بغلاف جلدي أسود وخيط رفيع يشير إلى مكان توقف قلم سائل مطيع جدا


 
مسودة رواية*