Sunday, September 23






وجوه تبعث الطمأنينة؛ تجد العين فيها بعض السكينة، تطيل النظر فيها.. فلا تدري أين تستقر في حديثه الحلو.. في عينيه العميقتين.. في إيماءاته وعفويته..؟
انتظرت عودته من إجازة الصيف الطويلة وكان الترتيب أن نقوم بمهمة البحث عن سكن، واليوم ألتقي بصديق جمعتنا به علاقات عمل قديمة.
واثق الخطوة، رقيق القلب، طيب الروح، واضحة مساعيه، مثابر ومخلص، عربي الأصل بريطاني الجنسية له زوج وثلاثة أبناء، إستقر في قطر قبل عام فقط وعيناه تدبر شؤون عائلته هناك في بريطانيا. 
يناديني أستاذة.. يناديني أديبة.. ليته يكف عن كل هذه الألقاب التي لا أستحقها بل هو الأديب بخلقه والأستاذ بثقافته.

"ألم أخبرك بقصتي؟" قال ونحن في طريقنا إلى محطة بحث أخرى
"أسمعك.." أجبته وكلي يبتسم روحي وملامحي، أحببت جدا فكرة وجوده
وأخذ يروي قصة طفولته يسترجع ذكريات قديمة حتى رأيت في عينيه حزن عميق يااااه كم من قلب يخبيء ألف قصة وحكاية؟ قال: "كنت طفلا ابن العاشرة أرعى الغنم، كنت ملاصقا لوالدتي فلا أغيب عن عينيها أبدا لم أر كمثل قلبها الواسع ولم أجد الحب بعدها أبدا، في تعز كانت نشأتي، كائن ريفي بسيط أنا، أحلب في الصباحات الجديدة البقر، الأرض خضراء مد البصر.. مد البصر مثمرة، حتى شاء القدر وأطلق والدي حكمه فأرسلني إلى أخي الأكبر إلى المملكة المتحدة قائلا:"هناك فرص الحياة أفضل" عندها فقط أخذت حياتي منعطفا لم أعد له أبدا وإنقلب كل شيء".

مضيفا: "عام 1986 كالصدمة الحضارية بالنسبة لي، أرض لا أعرفها، عادات وطباع لم أر كمثلها، البشر غير البشر.. الوجوه غير الوجوه.. اللغة.. التقاليد.. الألوان.. المأكل كما المشرب لا شيء هنا يبدو طبيعيا وكنت كثيرا ما أبكي الليل بطوله أشكو لا أحد".
 
يكمل حديثه ونحن لا نزال نسير بموازاة خط الساحل قائلا: "بعدها كرهت كل شيء يتعلق بالإنجليز؛ اللغة.. التاريخ.. كل شيء.. وصرت كالظبي العطش أقرأ ما أجده أمامي من الكتب العربية وصرت أشد الرحال إلى مكتبات أسمع عنها بعيدة"، سألته عن نوع الكتب التي يحب قراءتها فأجاب: "قرأت في الأدب للرافعي الجميل وكذلك لنجيب الكيلاني وغيرها كثير.." ثم ذكر: "وفي التاريخ الآسر قرأت وكنت أجد متعة كبيرة حينما أقرأ لأقلام مختلفة تتناول نفس الموضوع فأحكم عقلي وأقارن"، أشار نحو مبنى كبير يقع على بقعة مميزة، كالقلعة؛ بنيان أخذ الطابع القديم قال: "هذه السفارة الكويتية" نظرت نحو العلم وهو يرفرف بدا جميلا. أكمل حديثه قائلا: "طبعا تزوجت بعد أن أكملت تعليمي وأنهيت دراستي الجامعية وها أنا اليوم هنا في هذا العالم الصاخب لازلت حيا أرزق"، ضحكت أسلوبه المفتعل في ختم القصة قائلة: "ولنا عودة يا سيدي.. أريد أن أسمع أكثر"
محمد في العقد الثالث، عربية حادة ملامحه، عملي جدا، مفعم بالعاطفة، اكتسب خلال الأعوام التي قضاها في بريطانيا خصلة جعلته متفردا عن غيره ألا وهي لكنة الإنجليزية الأصيلة.



*أوراق مغترب